التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعداد الممثل قسطنطين ستانسلافسكي

 إعداد الممثل

 قسطنطين ستانسلافسكي


منهج ستانسلافسكي يتضمن البنود التالية:

1ـ الفعل المسرحي.
2
ـ الخيال.
3
ـ تركيز الانتباه.
4
ـ الاسترخاء.
5
ـ الوحدات والأهداف.
6
ـ الإيمان والإحساس بالصدق.
7
ـ الذاكرة الانفعالية.
8
ـ الاتصال الوجداني بين الممثلين.
9
ـ التكيف.
10
ـ القوى المحركة الداخلية.
11
ـ خط الفعل المتصل.
12
ـ حالة الإبداع.
13
ـ الهدف الأعلى.
14
ـ العقل الباطن.

 

1ـ الفعل المسرحي:
إن كل شيء يحدث على خشبة المسرح لابد أن يحدث لغرض ما، حتى احتفاظ الممثل بمقعده لابد أن يكون لغرض. ولغرض معين، وليس لمجرد الغرض العام من وجوب أن يكون على مرأى من المشاهدين.. إن الممثل يجب أن يدرك سبب وقوفه أو حقه في أن يقف فوق المنصة وليس هذا بالأمر السهل.
لا يمكن أن يحدث على خشبة المسرح وتحت أي ظرف من الظروف أي فعل يقصد به الممثل أن يثير في الحال إحساساً ما وليس من أجل هدف معين.
فعلى الممثل أن يتجنب أن يبدو غيورا ومحبا أو معذبا من أجل هذه المشاعر ومن أجلها فحسب.
إن أي فعل لا يستند إلى إحساس داخلي هو فعل لا يستدعي الانتباه، وإن أي فعل على خشبة المسرح لابد له ما يبرره تبريرا داخليا ولابد أن يكون فعلا منطقيا ومتصلا ببعضه اتصالا معقولا وواقعيا.
وإن استعمال كلمة (إذا) أو (لو) تعمل كرافعة تخرج بنا من العالم الواقعي إلى عالم الخيال. إنها كلمة سحرية تشحن المشاعر والخيال والسر فيها أنها لا تفرض بل تقترح.
فمثلا إذا وضعنا قلما في يد الممثل وقلنا له إن هذا ليس قلما؛ بل ثعبانا فإنه لن يصدق أما إذا قلنا له : إنه (لو) كان في كان في يدك ثعبان ماذا ستفعل؟ سنرى في الحال أنه سيسحب يده خوفا.

 

2ـ الخيال:
يجب على الممثل ألا يتخيل الأشياء دون أن يكون له هدف وراء هذا التخيل ومن أهم الأخطاء التي يمكن أن يقع بها الممثل هو أن يجبر خياله ويكرهه بدلا من أن يروضه ويلاطفه.
إن كل اختراع يقوم به خيال الممثل يجب أن يسبقه تفكير طويل في تفاصيله وأن يبني على أساس من الحقائق، بحيث يستطيع الممثل أن يجد فيه الإجابة على الأسئلة التي يوجهها إلى نفسه (متى وأين ولماذا وكيف) لكي يضع صورة أكثر تجديدا لكيان متوهم. وهو في بعض الأحيان لا يحتاج إلى كل هذا المجهود من المجهودات الذهنية الشعورية لأن خياله قد يعمل بالنظرة وبالبديهة، ولكن هذا لا يمكن الاعتماد عليه لأن التخيل بصورة إجمالية ومن غير أن يقوم على مشروع محدد تحديدا جيدا ويفكر فيه الممثل تفكيرا طويلا هو عمل عقيم!
هذا من جهة ومن جهة أخرى، إن أي تناول صادر عن وعي وتفكير منطقي لموضوع الخيال كثيرا ما يعطي للحياة صورة زائفة لا حرارة فيها.
وهذا شيء لا ينفعنا في المسرح لأن فننا يتطلب من الممثل أن يندمج بكل طبيعته اندماجا إيجابيا فيما يقوم به وأن يكرس نفسه كلها جسدا وروحا للدور الذي يؤديه لأنه لابد ان يحس بالدافع أو المادة ليستطيع بطريقة انعكاسية أن يؤثر في طبيعتنا الجسدية ويدفعها إلى العمل.
وهذه الملكة ذات أهمية عظمى في مهارتنا الفنية العاطفية من أجل هذا كانت كل حركة نقوم بها على خشبة المسرح وكل كلمة ننطق بها هي نتيجة للحياة الصحيحة لخيالنا.
وإذا كان الممثل يلقي أي كلام أو يفعل أي شيء بطريقة آلية وبغير أن يكون واعيا وعيا كاملا بمن يكون ومن أين أتى ولماذا وأي شيء يريد؟ وإلى أين يذهب وأي شيء يصنع إذا ذهب كان يمثل بدون أن يصدر عن أي خيال، وكان الوقت الذي يستغرقه على المسرح طال أو قصر وقتا غير واقعي. ولم يزد عن كونه آلة تتحرك وإنسانا آليا وإذا سئل هذا السؤال المتناهي في البساطة: هل الجو بارد في الخارج اليوم؟
فينبغي قبل أن يجيب (بنعم) أو (لا) أو إنني لم ألاحظ؛ أن يعود بخياله إلى الشارع ويتذكر كيف مشي أو ركب.. إلخ.
إنه لابد أن يختبر إحساسه بأن يتذكر ماذا كان الناس الذين قابلهم يلبسون والطريقة التي كانوا يمشون بها، وكيف كان الجليد ينسحق تحت أقدامهم، وبعد ذلك يستطيع أن يجيب على السؤال.

 

3ـ تركيز الانتباه:
إننا في الحياة العادية نمشي ونجلس ونتكلم وننظر ولكننا على خشبة المسرح نفقد كل هذه الملكات.. إننا نشعر باقتراب الجمهور منا ونتساءل:
لماذا ينظر هؤلاء إلينا؟ ومن ثم يجب أن نتعلم من جديد كيف نقوم بكل هذه الأشياء أمام الجمهور.
إن جميع الأفعال التي نقوم بها وحتى أبسطها، وهي الأفعال المألوفة لنا غاية الألفة في حياتنا اليومية تغدو عسيرة عندما تظهر خلف الأضواء وأمام جمهور مكون من ألف مشاهد. وهذا هو السبب الذي كان من أجله ضروريا لنا أن نصحح أنفسنا، وأن نتعلم من جديد كيف نمشي وكيف نتحرك وكيف نجلس ونرقد.
إن اللسان الثرثار أو الأيدي والأرجل التي تتحرك بطريقة آلية على خشبة المسرح لا يمكن أن تحل محل العين المدركة.. إن عين الممثل التي تنظر إلى الشيء وتراه وتجذب انتباه المشاهدين وتستطيع بذلك أن تكون علامة تحدد له ما ينبغي أن ينظر إليه. أما العين الفارغة فعلى العكس من ذلك تشتت انتباه المشاهد وتصرفه عن خشبة المسرح.

إن الممثل على خشبة المسرح إما أن يعيش داخل نفسه أو خارجها، إنه يعيش حياة واقعية أو حياة متخيلة. وهذه الحياة المعنوية تقدم موردا لا ينضب من مادة التركيز الداخلي لانتباهنا. والصعوبة في استخدام هذه المادة إنما تنحصر في أنها مادة هشة غير متماسكة. إن الأشياء المادية التي تحيط بنا على خشبة المسرح تحتاج إلى انتباه مدرب. أما الأشياء المتخيلة فهي تتطلب قوة من التركيز أكثر تنظيما مما تتطلبه الأشياء المادية.
إن للتركيز الداخلي أهمية خاصة بالقياس إلى الممثل وذلك لأن جزءا كبيرا من حياته يقع في نطاق ظروف متخيلة.
ولتدريب التركيز يمكن للمثل إن يقوم بهذا التمرين مساء
(
عندما يذهب على السرير ويطفئ نور الحجرة يحاول أن يستعيد ما حدث في يومه كله ويحاول أن يسجل كل جزئية ملموسة وممكنة فإذا كان يستعيد تذكر وجبة غداء فر يكتفي باستذكار الطعام فحسب، ولكن ليستعيد رؤية الأطباق التي قدمت إليه، وكيف كان ترتيبها العام، وليستعيد كل الأفكار والانفعالات الداخلية التي تضمنتها أحاديثه على المائدة، وليجتهد في أن يعاين بالتفصيل الأماكن المختلفة التي مشي فيها أو شرب فيها شايا، ثم ليتخيل جميع الأشياء الفردية المتصلة بألوان نشاطه وليحاول أيضا أن يتذكر بقدر ما يستطيع من وضوح أصدقائه والغرباء عنه وغيرهم ممن مروا به..إلخ)
كيف يتعلم غير القادرين على الملاحظة إلقاء البال إلى ما حولهم؟
إن أول شيء بالنسبة لهؤلاء هو أن يتعلموا النظر إلى الأشياء والإصغاء إليها والاستماع إلى ما هو جميل. فأمثال هذه العادات تتسامى بعقولهم وتثير مشاعرهم التي سوف تترك آثارا عميقة في ذاكرتهم الانفعالية.
إن الحياة ليس فيها ما هو أجمل من الطبيعة، ومن المجدي حقا أن تكون الطبيعة موضوع الملاحظة الدائمة. فإذا أخذنا زهرة صغيرة أو وريقة من وريقاتها أو رسما تركه الجليد على زجاج النافذة، ثم حاولنا أن نعبر في كلمات عن الأسباب التي من اجلها تبعث هذه الأشياء السرور في النفس، رأينا أن مثل هذا المجهود سوف يجعلنا نلاحظ الشيء الذي نراه عن كثب وبإمعان أشد لكي نتمكن من تذوقه وتحديد صفاته.
ثم علينا الانتقال إلى المادة الانفعالية التي هي أكثر الأشياء أهمية وأشدها ضرورة وأوفرها حياة والتي يقوم عليها معظم إبداعنا الفني وهي تلك الانطباعات التي نحصل عليها، لأنها في معظمها تكون مختلطة وغير محددة ولا يمكن إدراكها إدراكا باطنيا ولا شك أن كثيرا من تجاربنا الروحية غير المرئية تنعكس في ملامح وجوهنا وفي أعيننا وفي صوتنا وكلامنا وإشاراتنا. ولكن ليس من السهل علينا على الرغم من كونها كذلك أن ندرك أعماق غيرنا. وذلك لأن الناس في كثير من الأحيان لا يفتحون أبواب نفوسهم، ولا يسمحون لغيرهم بأن يروها على حقيقتها.
وعندما تتضح لنا الحياة الداخلية للشخص الذي هو موضوع ملاحظاتنا عن طريق أفعاله وأفكاره ودوافعه علينا أن نتتبع أفعاله عن كثب، وأن ندرس الظروف التي يجد نفسه فيها ولنسأل أنفسنا لماذا يفعل هذا وذاك، وماذا كان يتردد في نفسه؟

 

4ـ استرخاء العضلات:
لكي نثبت مدى ما يصيب التوتر العضلي إبداعنا بالشلل وبأنه مرتبط بحياتنا الداخلية، نقوم بالتجربة التالية: لنحاول أن نرفع ثقلا ما وليكن وزنه أقصى ما تحتمله طاقتنا وبنفس الوقت لنحاول أن نصف مشهدا معينا أو أن نغني أغنينة ما، لنحاول أن نتذكر طعم أكلة معينة أو لمس نسيج من الحرير أو رائحة شيء يحترق.
إننا سنرى أن لكي نستطيع تطبيق كل ذلك لابد أن ندع ذلك الثقل وبعد ذلك يمكننا أن نكرس أنفسنا لعمل حواسنا الخمس.
لذلك علينا قبل أن نحاول القيام بعملية الإبداع أن نجعل عضلاتنا في حالتها الطبيعية حتى لا تعوق أفعالنا.
وليس التشنج العضلي العام وحده هو الذي يعرقل أداءنا لوظيفتنا أداء سليما؛ بل إن أي ضغط طفيف في لحظة ما قد يعطل عمل ملكة الإبداع.
إن الممثلين يضغطون على أعصابهم عادة في لحظات التهييج والاستثارة، لذلك كان ضروريا في اللحظات ذات الأهمية الكبيرة بصفة خاصة أن يحرروا عضلاتهم من التوتر تحريرا تاما.

 

5ـ الوحدات والأهداف:
سئل ربان سفينة كيف يتأتى له أن يتذكر ـ خلال رحلة طويلة ـ جميع التفاصيل الدقيقة لساحل من السواحل بمنحنياته وأجزائه القليلة الغور وشعبه الصخرية فأجاب قائلا ليس ألقي لها بالا؛ وإنما أنا التزم خطة سير معين لا أحيد عنه.
وهذا هو المسلك الذي يجب أن يسلكه الممثل إذ يجب أن يتقدم في طريقه غير حافل بالتفاصيل العديدة وإنما يكون احتفاله بتلك الوحدات الهامة التي تعيق خط سيره وكأنها الإشارات. وتجعله لا يحيد عن الاتجاه الإبداعي الصحيح.
ولو تعين علينا أن نمثل مشهد العودة إلى البيت على المسرح لوجب علينا أن نسأل السؤال التالي: أولا ما الذي أفعل؟ فيكون الجواب: (أنا ذاهب إلى بيتي) وهو المفتاح الذي يدلنا على هدفنا الرئيسي. على أن الممثل في طريقه قد توقف عددا من المرات، فقد توقف بلا حراك عند نقطة معينة وفعل شيئا آخر. ولذلك فإن النظر إلى واجهة المحل، يعتبر وحدة قائمة بذاتها، وعندما يواصل المسير إلى البيت يعود إلى الوحدة الأولى.
وأخيرا يصل إلى حجرته ويخلع ملابسه، فيكون ذلك العمل وحدة ثالثة، وعندما يستلقي في الفراش ويبدأ التفكير يكون ذلك وحدة رابعة، وبذلك نكون قد أنقصنا بمجموع وحداتنا إلى أربع وحدات، وهذه الوحدات تحدد لنا خط السير.
وهذه الوحدات الأربع هي التي يتألف منها هذا الهدف الواحد الكبير وهو العودة إلى البيت).
ولكن لنتذكر دائما أن التقسيم إجراء مؤقت إذ يجب ألا يبقى الدور والمسرحية مقسمين إلى أجزاء متناثرة. ونحن نعلم أن التمثال المحطم ـ مثله في ذلك كمثل اللوحة الممزقة ـ ليس عملا فنيا مهما بلغت أجزاؤه من الجمال.
إننا لا نستخدم الوحدات الصغيرة إلا في مرحلة إعداد الدور.
إن الهدف هو الذي يمنح الممثل الإيمان بحقه في الصعود إلى خشبة المسرح والبقاء عليها.
إننا نجد مالا نهاية له من الأهداف على خشبة المسرح ولكن ليست كلها أهداف ضرورية أو وحيدة، بل إن الكثير منها ضار في الواقع ويجب على الممثل أن يتعلم كيف يميز بين الغث والثمين منها، وكيف يتجنب الأهداف غير المجدية، وكيف يختار الأهداف الصحيحة حقا.

 

6ـ الإيمان والإحساس بالصدق:
لكي يتمن الممثل من بلوغ الصدق يجب عليه أن يستخدم أداة ترفعه إلى مستوى الحياة التخيلية وهناك يخلق لنفسه ظروفا متخيلة، إن تخيل ظروف معينة ملائمة يعينه على الخلق والإبداع.
إن الصدق على خشبة المسرح هو كل ما يمكن أن نؤمن به إيمانا حقيقيا من أفعال أو أقوال تصدر منا أو من زملائنا. إن الصدق والإيمان لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، إذ لا يمكن أن يوجد أحدهما دون وجود الثاني.
إن كل ما يحدث على المسرح يجب أن يكون مقنعا للمثل نفسه ولزملائه وللجمهور. يجب أن يولد الإيمان بأن كل ما يعانيه الممثل على المنصة من انفعالات ومشاعر يمكن أن يتحقق نظيره في الحياة الواقعية، ويجب أن تكون كل لحظة مشبعة بالإيمان والصدق والعاطفة التي يستشعرها الممثل وصدق ما يصدر عنه من أفعال.

 

7ـ الذاكرة الانفعالية:
الذاكرة الانفعالية هي قدرة الممثل على استعادة شعور انفعالي لموقف معين والفرق كبير بين أن يعيش الإنسان الشعور الانفعالي لأول مرة وبين أن يستعيد ذلك الشعور، ففي المرة الأولى يكون الشعور حارا وصادقا، أما عندما يستعيده فيكون خفيفا وذلك لأن الانفعال تخف حدته مع مرور الزمن وهذا حسن وإلا ظل من يعاني من عذاب فراق شخص معذبا طوال حياته وهكذا. لذا فالممثل عندما يستعيد ذاكرته الانفعالية يجب أن يبعث فيها تلك الحرارة التي اتصف بها شعوره لأول مرة.

 

8ـ الاتصال الوجداني:
هل يمكننا أن نتصور عقدا ثمينا توحيد بين كل ثلاث حبات من حباته الذهبية حبة من الصفيح ينتظمها جميعا خيط واحد؟
من الذي يمكن أن تتوق نفسه إلى اقتناء مثل هذا العقد، ومن ذا الذي يمكن أن يقبل خط اتصال ينفصم انفصاما قد يشوه التمثيل أو يقضي عليه قضاء تاما؟
إن الاتصال بين الناس إن كان مهما في واقع الحياة فهو على خشبة المسرح أهم بمراحل.
وهذه الحقيقية مستمدة من طبيعة المسرح، تلك الطبيعة القائمة على الاتصال المتبادل بين شخصيات المسرحية.
إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتصور مؤلفا مسرحيا يقدم أبطاله وهم في حالة غيبوبة أو في حالة نعاس، فحينها تكون حياتهم النفسية غير قائمة بما هو مطلوب منها. كما لا يمكن أن نتصور أن يجمع ذلك المؤلف بين على المنصة بين شخصين لا يعرف احدهما الآخر فحسب، بل يرفضان التعارف وتبادل الأفكار والمشاعر أو يخفي كل منهما هذه الأفكار والمشاعر عن الآخر بأن يجلس كل منهما في طرف من طرفي المنصة.
وفي هذه الظروف لا يعود ثمة مبرر لدخول المتفرج إلى المسرح ما دام أن لن يجد في المسرح ما جاء من اجله، أي إحساسه بمشاعر الأشخاص المشتركين في المسرحية واكتشافه لأفكارهم.
وهناك أنماط ثلاثة من الاتصال هي:
1
ـ الاتصال الوجداني المباشر بالشخص موضوع الحديث (أي بالزميل) الموجود على المنصة والاتصال غير المباشر بالجمهور.
2
ـ اتصال الممثل بنفسه اتصالا وجدانيا.
3
ـ الاتصال الوجداني بشخص غائب أو بشخص من صنع الخيال.

 

9ـ التكيف:
يقصد بكلمة التكيف تلك الوسائل الإنسانية الداخلية والخارجية التي يستخدمها الناس للتوفيق بين أنفسهم وبين الآخرين لإقامة علاقات شتى بينهم وبين غيرهم، كما يستخدمونها كعامل مساعد لتحقيق هدف معين. وإننا نلجأ إلى وسائل التكيف في جميع صور الاتصال، حتى مع أنفسنا لأننا يجب أن ندخل في حسابنا الحالة النفسية التي نكون عليها في أية لحظة معينة. إن كل ممثل له خصائصه الذاتية التي يتسم بها، وهي خصائص أصيله فيه، وتنبثق من منابع مختلفة، وتتفاوت في قيمتها. إن الرجال والنساء والشيوخ والأطفال والمختالين والمتواضعين وذوي الطبع الحاد وذوي القلوب الرحيمة وذوي الأمزجة العصبية وذوي الأمزجة الهادئة، كل من هؤلاء له نموذجه الخاص؛ وكل تغير في الظروف والبيئة ومكان الفعل وزمانه يؤدي إلى التكيف المناسب.
إن توفيقنا بين نفوسنا وظروفنا ونحن وحيدون في هدأة الليل يختلف عنه ونحن بين الناس، وعندما نصل إلى بلد أجنبي فإننا نهتدي إلى طرق تكيف نفوسنا بما يلائم الظروف المحيطة بنا.
وكل شعور يعبر عنه الممثل يقتضي في أثناء التعبير عنه، شكلا غير محسوس من أشكال التكيف خاصا بذلك الشعور وحده.
وكل أنواع الاتصال الذي يتم في جماعة من الناس مثلا، أو الاتصال بشيء خيالي أو بشيء حاضر أو غائب، كل هذه الاتصالات تتطلب طرقا للتكيف خاصة بكل منها ونحن نستخدم حواسنا الخمس جميعا وكل عناصر تكويننا الداخلي والخارجي للاتصال فنحن نرسل أشعة ونستقبلها ونستخدم أعيننا وتعبيرات وجوهنا وأصواتنا ونبراتها وأيدينا وأصابعنا وأجسامنا كلها وفي كل حالة نحقق أشكال التكيف المناسبة التي تقتضيها الظروف.
يجب أن يتعلم الممثل كيف يوفق بين نفسه وبين الظروف والزمن، وبين نفسه وبين كل فرد على حده وإذا دعت الحاجة إلى التعامل مع شخص غبي يجب أن نكيف سلوكنا بما يلائم عقليته وان نكشف أبسط الوسائل للوصول إلى ذهنه وإدراكه أما أذا كان الرجل الذي أمامنا حاد الذكاء فينبغي أن نتصرف بقسط اكبر من الحذر ونستخدم وسائل أكثر لطفا حتى لا يكشف حيلنا.

 

10 ـ القوى المحركة الداخلية:
بعد استعراض جميع عناصر طريقة الأداء النفسية الفنية، نستطيع أن نقول إن أداتنا الداخلية على استعداد للقيام بعملها وكل ما تحتاجه هو موسيقار فذ ليعزف عليها فمن يكون هذا الأستاذ أو المحرك؟ الحقيقية هناك مجموعة محركات تعمل على دفع عملية الإبداع وهي:
1
ـ الشعور: ولكن ليس الشعور طيعا أو على استعداد لتلقي الأوامر وبما أننا لا نستطيع أن نبدأ عملنا ما لم تعمل مشاعرنا من تلقاء ذاتها فمن الضروري أن نلجأ إلى محرك آخر وهو العقل.
2
ـ العقل: فالعقل هو الذي يبدأ الخلق أو الإبداع وهو الذي يوجهه.
3
ـ أما المحرك الثالث فهو الإرادة.
وهكذا يكون لدينا ثلاثة محركات دافعة في حياتنا النفسية. وهذه القوى الثلاث تشكل ثالوثا مهيمنا ترتبط أجزاؤه وتتشابك تشابكا لا انفصام له. فإن ما تقوله عن أحداها يقال عن الأخرى بالضرورة. وإن سلطان هذه القوى المحركة يزداد عن طريق نشاطها المشترك المتبادل فكل منها تسند الأخرى وتحثها وترتب على ذلك أنها تعمل دائما في وقت واحد وفي اتصال وثيق وعندما نشرك عقولنا في العمل فإننا نحرك في الوقت نفسه إرادتنا ومشاعرنا ونحن لا نستطيع الخلق والإبداع في حرية وانطلاق إلا عندما تتعاون هذه القوى فيما بينها في تآلف وانسجام. في بعض الأحيان تعمل هذه القوى تلقائيا وبطريقة لا شعورية وفي مثل هذه الظروف المواتية ينبغي أن نستسلم لتيار نشاطها ولكن ماذا علينا أن نعمل عندما لا تستجيب تلك القوى. نستطيع في مثل هذه الأحوال أن نتجه إلى إحدى قوى هذا الثالوث، وليكن اتجاهنا إلى العقل مثلا لأنه يستجيب أكثر من غيره للأوامر. فيدرس الممثل الأفكار المتضمنة في سطور دوره حتى يصل إلى تصور معناها. وهذا التصور سوف يؤدي بدوره إلى رأي يتعلق بهذه السطور ولسوف يؤثر هذا الرأي بالتالي على مشاعر الممثل وإرادته.
ولكن عندما يرفض الشعور الاستجابة للإغراء فأي منبه مباشر يمكننا استخدامه؟ إننا نجد المنبه المباشر للعقل في الأفكار المأخوذة من نص المسرحية أما بالنسبة للشعور فيجب أن نبحث عن وحدة الإيقاع الكامنة تحت العواطف الداخلية والأفعال الخارجية الموجودة في الدور.
ومن الضروري على أي حال ألا يسمح لأي من العناصر الثلاثة بان يقضي على العنصرين الآخرين فإن ذلك يفسد التوازن والتناسق اللازم.

 

11ـ الخط المتصل:
إذا قام شخص ما بحركات لا صلة بينها من تحريك ذراعيه وجسمه ورأسه. لا نستطيع أن نقول إنه يرقص. أما إذا كانت تلك الحركات تنساب في انسجام الواحدة تلو الأخرى في تتابع متصل. فلنا أن نقنع أنفسنا بأنه يرقص وإذا أخذ شخص يردد أنغاما عديدة تاركا بين الواحدة منها والأخرى فترات من الصمت الطويل لا نقول إن ما أداه هو أغنية كما أننا لا نسمي تلك الخطوط التي ترسم بشكل عفوي ولا صلة بينها لوحة فنية.
نرى من هذه الأمثلة أنه يجب أن يكون لدينا في كل فن (خط متصل) هذا ما يدعنا نقول إن العمل الإبداعي يبدأ عندما يصبح الخط وحدة متصلة.
والخط المستمر المعتاد هو خط توجد فيه بعض لحظات التوقف الضرورية إذا انقطع الخط على المسرح فإن الممثل لا يعود يفهم ما يقال أو ما يصنع ولا يعود يشعر بأي رغبات أو مشاعر. إن الممثل والدور يعيشان من الناحية الإنسانية بواسطة الخطوط المتصلة وذلك ما يهب الحياة والحركة للشيء الذي يقوم الممثل بأدائه فإذا توقفت تلك الخطوط توقفت الحياة وإذا دبت الحياة فيها من جديد استؤنفت الحياة. ولكن هذا الانقطاع ليس طبيعيا إذ يجب أن يكون للدور وجوده المستمر وخطه المتصل. إن المؤلف المسرحي لا يعطينا إلا دقائق قليلة من حياة شخصياته. إنه يحذف قدرا كبيرا مما يحدث خارج المسرح وفي كثير من الأحيان لا يقول شيئا البتة عما وقع لشخصياته وهم خارج المنصة ولا عما يجعلهم يتصرفون بالطريقة التي
يتصرفون بها عندما يعودون إلى المسرح وعلينا أن نكمل ما يتركه هو دون أن يذكر عنه شيئا فإن لم نفعل هذا لم نجد سوى نتف وقطع صغيرة مما يمكن أن نمثل بها حياة الأشخاص الذين نصورهم، وهذا غير ممكن لذا وجب علينا أن نخلق خطوطا متصلة نسبيا. إن انتباه الممثل ينتقل باستمرار من شيء إلى آخر وهذا التغير المستمر في بؤرة الانتباه هو الذي يكون الخط المتصل ولو أن ممثلا تشبث بشيء واحد أثناء فصل بأكمله أو مسرحية بأكملها لاختل اتزانه الروحي ولأصبح ضحية فكرة
ثابتة.

 

12ـ حالة الإبداع الداخلية:
كيف يعبر عازف البيانو عن عواطفه؟ إنه يذهب إلى البيانو ليفعل هذا. وأين
يذهب الرسام؟ إلى لوحته وفرشاته وألوانه، أما الممثل فيلجأ إلى أداته
الروحية والجسمانية الخلاقة. ويتضافر عقله وإرادته ومشاعره لتعبئة جميع عناصره الداخلية وهذه جميعا تستمد الحياة من القصة الخيالية التي هي المسرحية فتجعلها تبدو أكثر واقعية كما تجعل أهدافها تقوم على أسس أفضل، وتتجه عقد المسرحية وتتقدم نحو الأهداف الإبداعية الخلاقة تحثها الأشواق الداخلية والطموح والحركات الكامنة في شخصية كل دور من الأدوار. وتدفعها الأهداف التي ركزت عليها انتباهنا إلى الاتصال بالشخصيات الأخرى. إنها تكون منجذبة بالصدق الفني للمسرحية ثم هي تتوخى وجود جميع هذه الأشياء على المنصة. وكلما أوغلت تلك العناصر في التقدم على هذا النحو ازداد خط تقدمها اتحادا وتماسكا ومن هذا الاندماج بين العناصر تنشأ حالة داخلية هامة نسميها (المزاج الروحي الخلاق). إذا نقص عنصر واحد أو انحرف في تكوين الحالة التي يجب أن يبدو فيها الممثل أثّر ذلك في كيانه التمثيلي كله. إن ضرورة قيامنا بعملنا الفني أمام الجمهور تجعلنا نعيش في صراع مستمر بين التصنع المسرحي والصدق. ولكن كيف يمكننا أن نحمي أنفسنا من التصنع وان نقوي في أنفسنا التمثيل الطبيعي؟ ليس هناك إلا حل واحد لهذه المشكلة المزدوجة.. إن الصدق يحول دون وجود التصنع كما أن التصنع يحول دون وجود الصدق وبتحقيق احدهما نقضي على الآخر.
إن أغلب الممثلين يلبسون ملابسهم ويضعون الماكياج قبل التمثيل حتى يقارب مظهرهم الخارجي المظهر الخارجي للشخصية التي سيقومون بتمثيلها، ولكنهم ينسون أهم جزء في هذه العملية كلها ألا وهو الاستعداد الداخلي فلماذا يكرسون مثل هذا الاهتمام غير العادي لمظهرهم الخارجي؟ لماذا يعنون بماكياج وجوههم ولبس ملابس الدور ثم لا يعنون بماكياج أرواحهم وإلباسها ملابس الدور أيضا. إن الممثل يعيش ويبكي ويضحك على المسرح وهو يراقب دموعه وابتساماته وهذا
العمل المزدوج أو هذا التوازن بين الحياة والتمثيل هو الذي يكون فنه، ولا
يكفي لفهم الرهافة النفسية لروح معقدة، أن يستخدم المرء عقله أو عنصر من العناصر التي أشرنا إليها آنفا على انفراد إن الأمر يتطلب كل قوى الفنان ومواهبه كما يتطلب التعاون المنسجم بين قواه الداخلية وقوى المؤلف. إن حالة الخلق والإبداع الداخلية للممثل تتناسب فيما يكون عليه من قوة واستمرار من مقدار هدفه وأهميته بصفة عامة ويمكن أن يقال مثل هذا عن المواد التي يستخدمها الممثل في إنجاز غرضه.

 

13ـ الهدف الأعلى:
إن كل تيار الأهداف الفردية الصغرى المتفرقة في مسرحية من المسرحيات وكل ما يصدر عن الممثل من أفكار ومشاعر وأعمال مما هو من وحي التخيل. يجب أن يتجه إلى تحقيق الهدف الأعلى الذي ترمي إليه عقدة المسرحية، ويجب أن تكون الرابطة التي تجمع بين هذه الأشياء من القوة بحيث يظهر أتفه التفاصيل. وكلما كان العمل الأدبي عظيما، ازدادت جاذبية هدفه الأكبر أي غايته العليا. وإذا كانت المسرحية تنقصها تلك اللمسة الساحرة التي يدعونها لمسة العبقرية عندئذ تكون الجاذبية أضعف بشكل واضح أما في مسرحية رديئة فيجب على الممثل
أن يكتشف الهدف الأعلى بنفسه وأن يجعله أكثر عمقا وأكثر جلاء. وإن يفعل الممثل ذلك يكون للاسم الذي يخلعه على هذا الهدف أهمية بالغة.
إن اختيار الاسم الصحيح لهدف من الأهداف أهمية كبرى.
وإن صورة الفعل (أريد أن أفعل) هي الصورة المفضلة لأنها تمد الفعل بقوة
أكبر ويصدق هذا نفسه ولكن بدرجة أعظم عند تحديد الهدف الأكبر أو الغاية
العليا للرواية. ولنفترض أننا نخرج مسرحية جريبويدوف (يا ويلنا من الذكاء المفرط) تلخيص المسرحية:
المؤلف هو الكاتب الروسي جريبويدوف المتوفى 1892م، والمسرحية مأساة روحية بطلها تشاسكي شاب روسي كان يضرب في آفاق الدنيا، ثم لا يلبث أن يعود إلى موسكو وقد امتلأت نفسه بأفكار ثورية ينشد من ورائها إصلاح هذا العالم أو إنقاذه مما يغرقه من هموم ومفاسد.. ولا يكاد هذا البطل المخلص المتحمس يبشر بمبادئه العليا هذه بين قومه حتى تأخذه الدسائس من كل صوب ويلقاه الناس حيثما ذهب بالسخرية والاستهزاء مما يدعوهم إليه من نبذ رذائلهم والإقلاع عن أنا نيتهم والعمل لذواتهم وما يوصيهم به من المحبة والذل والفداء... ثم يشتد عداؤهم له ويشيعون عنه أنه رجل واهم مجنون ويزيد من مرارة هذا كله في نفسه ما ينكشف له عن غدر تلك الفتاة (صوفا) التي كان يهواها ويحسب حبها
القبس الطاهر الذي كان كفيلا أن يعوضه عن كراهية المجتمع ومرارة الحياة. وما يلمسه أخيرا من أنها واحدة من هؤلاء الناس ولا تقل عنهم أنانية وشرا!.. فلا يجد بدا من الرحيل عن موسكو إلى الأبد نافيا نفسه عن وطنه الحبيب نفيا اختياريا. ولنفرض أننا حددنا هدف المسرحية في العبارة الآتية:
(إنني أرغب في الكفاح المستميت من أجل صوفا) إن كثيرا من الأشياء في عقدة المسرحية يمكن أن يؤكد هذا التلخيص، إلا أن تلخيص العقدة في هذه العبارة قد يكون تلخيصا معيبا، وربما كان العيب أن علاج المسرحية من تلك الزاوية قد يجعل ما قصد إليه المؤلف من تشهير
بالمجتمع، يبدو ليس له إلا قيمة استطرادية طارئة. ولكننا نستطيع أن نصف الهدف العلى بعبارة أخرى هي:
(
أنني أرغب في الكفاح المستميت لا من أجل صوفا ولكن من أجل وطني)
وعند ذلك يصبح حب تشاسكي لوطنه وشعبه في المقام الأول.
وفي نفس الوقت يصبح موضوع اتهام تشاسكي للمجتمع برذائله أكثر بروزا كما يخلع هذا على المسرحية كلها مغزى داخليا أعمق ونستطيع أن نعمق مناها أكثر إذا قلنا:
(
إنني أرغب في الكفاح من أجل الحرية).
ففي ضوء تلك العبارة تصبح اتهامات البطل أشد قسوة وتفقد المسرحية كلها اللون الشخصي الفردي الذي كان لها عندما كان الموضوع مرتبطا بصوفا فقط. بل لا تصبح مسرحية وطنية الهدف أو قومية الغاية فحسب؛ بل تكون مسرحية إنسانية بكل ما تشتمل عليه تلك الكلمة من معان، وتكون صالحة للعرض في أي زمان ومكان، بما تنطوي عليه من مفاهيم.
ويجب أن تتجه جميع الخطوط الصغرى نحو نفس الهدف وتندمج في تيار رئيسي واحد. إن كل فعل يقابله رد فعل.. ورد الفعل هذا يقوي بدوره الفعل وفي كل مسرحية تجد إلى جانب الفعل الرئيسي رد فعله المضاد، وهذا مما يسعدنا؛ لأنه نتيجته المحتومة المزيد من الفعل ونحن نحتاج إلى ذلك الصدام بين الهداف وإلى جميع المشاكل التي تترتب علي تطاحنها والتي تتطلب حلا وذلك لن تطاحن الهداف يؤدي إلى النشاط الذي هو أساس فننا. وفي الحقيقة يمكننا تلخيص منهج إعداد الممثل في ثلاثة عناصر هي:
1
ـ الإدراك الداخلي.
2
ـ خط الفعل المتصل الذي يربط أحداث المسرحية.
3
ـ العقل الباطن.

 

14ـ العقل الباطن:
إن عقلنا الواعي يرتب ظواهر العالم الخارجي المحيط بنا، ويدخل عليها قدرا معينا من النظام، وليس ثمة خط واضح يفصل بين التجربة الشعورية والتجربة غير الشعورية، وعقلنا الواعي يعين في كثير من الحيان الاتجاه الذي يواصل فيه عقلنا الباطن عمله، ولذلك كان الهدف الأساسي لمهارتنا الفنية النفسية هو أن تجعلنا في حالة إبداع يتمكن فيها عقلنا الباطن من ان يؤدي وظيفته بطريقة طبيعية. نحن نعيش على المسرح على ذكرياتنا الانفعالية المستمدة من وقائع الحياة وفي بعض الأحيان ترقى هذه الذكريات إلى درجة من الوهم تجعلها تبدو كالحياة نفسها ومع أن نسيان النفس تمام النسيان والإيمان الذي لا يتزعزع بما يجري على المسرح شيء ممكن؛ فإنه قلما يحدث فنحن نعرف أن ثمة لحظات متفرقة، لحظات
تتفاوت طولا وقصرا ينغمس فيها الممثل في (منطقة العقل الباطن) بيد أن الصدق ومظهر الصدق والإيمان والاحتمال يتناوبان الظهور في غير هذه اللحظات فيظهر احدهما ثم يختفي بينما يظهر الآخر ثم يختفي وهكذا.
هناك تطابق بين الذكريات العاطفية وبين المشاعر التي يتطلبها الدور
والتشابه الناتج من هذا التطابق يقرب الممثل من الشخصية التي يصورها، وفي مثل هذه الظروف يشعر الفنان المبدع باندماج حياته في حياة دوره. إن حياة دوره هي نفسها حياته الشخصية ويؤدي هذا الاندماج إلى حدوث تحول في شخصية الممثل يشبه المعجزة!
وثمة أشياء أخرى غير هذا التطابق بين الحياة الواقعية والدور التمثيلي من
شانها أن تدخلنا إلى منطقة العقل الباطن ففي كثير من الأحيان يقع حادث خارجي بسيط لا علاقة له البتة بالمسرحية أو الدور أو ظروف الممثل الخاصة به، فيبعث في المسرح فجأة موجة من الحياة الحقيقية ويدفعنا في الحال إلى حالة إبداع لا شعورية. حتى وإن كان هذا الحادث سقوط منديل أو انقلاب أحد الكراسي، فإن وقوع حادث حقيقي في جو المسرح الذي تجري فيه كل الأمور بناء على خطة مرسومة، يشبه
هبوب نفحة من الهواء النقي في غرفة فاسدة الهواء؛ إذ يضطر الممثل إلى التقاط المنديل أو الكرسي بطريقة تلقائية لأنه لم يتدرب على ذلك في المسرحية فهو لا يفعل ذلك بوصفه ممثلا ولكن بوصفه إنسانا عاديا، وهذا يخلق شيئا من الصدق يجد الممثل نفسه مضطرا بسببه إلى الإيمان به. ويبرز هذا الصدق باعتباره شيئا يختلف تمام الاختلاف عما يحيط بالممثل من أشياء تقليدية مكيفة وبالأحرى تجري وفقا لخطة موضوعة وإعداد سابق. إن مثال هذه الأحداث العارضة تحملنا حملا على التحول من الزيف والتصنع إلى الصدق، بل إن لحظة واحدة من تلك اللحظات يمكن أن توجه البقية الباقية من الدور الوجهة الصحيحة.
إن زيادة التوتر الناجمة عن الانتباه المرهف تعادل زيادة التوتر الناجمة عن
التقلص العضلي، وإن كانت معالجة التوتر الناجمة عن الانتباه تكلف قدرا
اكبر من الحذق والمهارة ويمكننا أن نعالج التشنجات الداخلية بنفس الطريقة التي تعالج بها التقلصات العضلية. إذ نبحث أو لا عن نقطة التوتر، ثم نحاول تخفيفه وأخيرا نتخذ فرضا مناسبا أساسا لتحررنا منه. وعلينا أن نفيد من هذه التجربة الحقيقية البديهية وهي أنه غير مسموح لانتباهنا بالتطواف في أرجاء المسرح، بل أن يكون مركزا في دخيلة أنفسنا فعلينا أن نوجه إلى موضع جدير بالاهتمام شيء يعيننا على أداء تمريننا وبعبارة أخرى ينبغي أن نوجه انتباهنا إلى هدف أو فعل جذاب. ويمكن أن نبدأ بمختلف الافتراضات والتصورات، فإذا أدركنا صدق مسرحية من المسرحيات فإن ذلك يستتبع بالطبع إيماننا بها وشعورنا بحالة من (أنا كائن) والشيء الهام الذي ينبغي ألا يغيب عن البال في جميع هذه المركبات هو انه
يجب علينا أيا كان العنصر الذي وقع عليه اختيارنا لكي نبدأ منه أن نسير به إلى أقصى ما ينطوي عليه من إمكانيات وإننا قد عرفنا من قبل أننا عندما نختار أيا من هذه الحلقات المكونة لسلسة الإبداع فإننا نشعرها في سلك واحد. إن مجيء الإلهام لا يحدث صدفة وهذا أمر لا نستطيع الاعتماد عليه وإنما نستطيع الاعتماد على ما حدث بالفعل، المهم هو أن الإلهام لم يحدث من تلقاء نفسه. لذلك ينبغي أن نركز تفكيرنا فيما يبعث الحياة في قوانا الإبداعية الداخلية فيما يؤدي إلى تحقيق المزاج النفسي الداخلي الخلاق في نفوسنا. ولنفكر في هدفنا الأعلى وفي خط الفعل المتصل الذي يؤدي إلى ذلك الهدف. ما علينا إلا أن نمضي بكل عناصر حالة الإبداع الداخلية وقوانا المحركة الداخلية وخط الفعل المتصل إلى أقصى ما تحتمله طاقتنا الإنسانية (لا طاقتنا المفتعلة) فإذا بنا نشعر بالضرورة بحقيقة حياتنا النفسية. فضلا عن عدم استطاعتنا مقاومة الإيمان بها. إن القوة الخلاقة الإبداعية لخط الفعل المتصل تتناسب تناسبا طرديا مع قوة الجاذبية التي يتسم بها الهدف الأعلى. وهذا لا يكسب الهدف الأعلى مكان الضرورة والأولوية في عملنا فحسب، بل إنه يضطرنا إلى الاهتمام بنوع هذا الهدف اهتماما خاصا.. ولكي تحدد نوع الهدف العلى الذي يكون بمثابة القوة الحافزة في المسرحية والذي نفتقر إليه حقا لتنبيه طبائعنا الداخلية، نستعرض بعض الأسئلة مع أجوبتها:
1
ـ هل نستطيع أن نستخدم هدفا أعلى لا يكون صحيحا من وجهة نظر المؤلف، مع أنه جذاب من وجهة نظرنا نحن الممثلين؟
ـ كلا لأن مثل هذا المر لا يكون عديم الجدوى فحسب بل يكون ضارا أيضا إنه لن يفيد إلا في إبعاد الممثلين عن أدوارهم وعن المسرحية.
2
ـ هل نستطيع أن نستخدم موضوعا رئيسيا لا يكون له إلا طابع عقلي فحسب؟
ـ كلا.. فإننا لا نستطيع أن نستخدم هدفا لا يعدو أن يكون ثمرة جافة من ثمار التفكير أو الاستدلال الخالص.. ومع ذلك فإن الهدف الأعلى الذي نصل إليه بعقولنا الواعية وياتي نتيجة لتفكير خصب خلاق، أمر ضروري.
3
ـ ماذا عن الهدف العاطفي؟
ـ إنه ضروري ولازم لنا بصفة مطلقة، وضروري كالهواء ونور الشمس.
4
ـ وماذا عن الهدف الذي يقوم على أساس من إرادتنا ويستوعب كياننا النفسي والجسمي جميعا؟
ـ إنه ضروري كذلك.
5
ـ وماذا يمكن أن يقال عن الهدف الأعلى الذي يستهوي مخيلتنا الإبداعية
ويستولي على مجامع انتباهنا ويشبع حاسة الصدق والإيمان في نفوسنا وجميع عناصر مزاجنا النفسي الداخلي؟
ـ إن أي موضوع يبعث الحركة والحياة في قوانا الداخلية الخلاقة إنما هو غذاء وشراب لا غناء لنا عنه. ويترتب على ذلك أن ما نحتاج إليه هو هدف أعلى ينسجم مع أغراض مؤلف المسرحية ويلقي في الوقت ذاته صدى في نفوس الممثلين ومعنى ذلك أننا يجب ألا نبحث عن الهدف العلى في المسرحية وحدها بل في نفوس الممثلين كذلك. يجب على كل فنان حق أن يجعل شغله الشاغل في أثناء وجوده على خشبة المسرح، تركيز قواه الخلاقة بأكملها على الهدف العلى وخط الفعل المتصل بأوسع وأعمق معانيهما وعليهما وحدهما، فإذا كان هذان صحيحين تم كل شيء بفعل الطبيعة وبطريقة لا شعورية وبما يشبه المعجزة. وهذا يمكن أن يحدث بشرط أن يخلق الممثل دوره من جديد بإخلاص وصدق وبساطة في كل مرة يعيد فيها تمثيل الدور.. ولابد من توافر هذا الشرط لكي يتسنى للممثل أن يحرر فنه من التمثيل الآلي ذي القوالب الجامدة ومن (الحيل) ومن جميع صور التصنع، فإذا تمكن الممثل من تحقيق ذلك زخرت المنصة من حوله بأناس حقيقيين وحياة حقيقية، وفن حي برئ من جميع الشوائب التي تحط من قيمته. عندما يستغرق الممثل في هدف عميق التأثير استغراقا ثابتا لدرجة انصرافه بكل كيانه إلى تحقيق ذلك الهدف، فغنه يصل إلى تلك الحالة التي نسميها الإلهام وعندما يكون الممثل في تلك الحالة فإن كل ما يفعله تقريبا يكون صادرا عن العقل الباطن ولا يكون لديه أي إدراك شعوري للطريقة التي يتحقق بها غرضه. إن هذه الفترات التي يطغى فيها اللاشعور فترات متناثرة وتحدث من وقت لآخر في جميع مراحل الحياة، والمشكلة التي نواجهها هي التغلب على أي شيء يمكن أن يعوق طريقها وتقوية أي عامل من العوامل التي تسهل قيامها بوظيفتها.
قواعد الوقوف على المسرح:
يقسم المسرح إلى تسعة مناطق المنطقة في المنتصف وسط، المربع الذي على يمينه يسار وسط، والذي على يساره يمين وسط، وهناك مربعات أعلى وتسمى في المسرح فوق، وتقسم يسار أعلى أو فوق يسار، ووسط فوق، ويمين فوق، أسفل يمين أو تحت يمين وتحت وسط، وتحت يسار.
_______________________________________________
أعلى يسار -- أعلى وسط -- أعلى يمين
وسط يسار -- وسط -- وسط يمين
أسفل يسار -- أسفل وسط -- أسفل يمين
_______________________________________________
ما الذي تستفيده من ذلك؟ ستكون سلسا في التعامل مع المخرج حين يقول أعلى يمين تعرف أين الأعلى يمين وهكذا أو يسار وسط وهكذا. عليك رسم تسعة مربعات تخيليه لتنتقل بينهما حتى يصبح تعامل المخرج معك سهلا. ملاحظات على الوقف على المسرح:
1
ـ لا ترفع يدك في مستوى وجهك حتى لا تغطيه ولا يراه الجمهور.
2
ـ قف في نفس مستوى الشخص الذي أمامك ولا تجعله أمامك مباشرة حتى لا يحجبك عن الجمهور أو ما يسمى في المسرح يغطي عليك.
3
ـ هناك بعض المسارح بها مشاكل في الصوت أو بلا صوت فيجب أن ترفع صوتك بما لا يؤثر على شعورك وأدائك، واحذر أن تصرخ حتى يسمعك الجمهور.
4
ـ احذر أن تنشغل بتعليقات الجمهور.. لأنك لو فكرت فيما يقوله الجمهور سيؤثر ذلك على تركيزك.. اسمعهم دون التفكير فيما يقولون.
5
ـ حركتك على المسرح يحكمها ثلاثة طرق هي:
أـ الطريقة الجبهية
ب ـ الطريقة القطرية
جـ ـ الطريقة الموازية.
وبهذه الطرق تضمن ألا تولي ظهرك للجمهور بلا ضرورة درامية.

المصادر:
1
ـ إعداد الممثل، قسطنطين ستانسلافسكي، ترجمة محمود مرسي ودريني خشبة
2
ـ ومبادئ التمثيل والإخراج، للمخرج السوري محمد سعيد الجوخدار،
3
ـ موقع مدرسة التمثيل للمخرج المصري علاء عبدالعزيز
4
ـ عدد من مواقع الانترنت المهتمة بالفن الدرامي.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اعرض ولا تخبر

طريقة ”اعرض ولا تحكي“ هل تساءلت يومًا كيف تجعل المشهد أكثر واقعية؟ كيف يمكنك نقل المشاعر إلى القارئ؟ إذا لم تكن معتادًا على طريقة ”اعرض ولا تخبر“، أو حتى إذا كنت معتادًا عليها ولكنك لا تعرف كيفية تطبيقها، فقد جئت إلى المكان الصحيح! سأشرح لك في هذا المقال كيفية جعل نصك أكثر عاطفية وحيوية. تتمثل فكرة ”اعرض ولا تخبر“ في نقل شيء ما بشكل غير مباشر. وللقيام بذلك.. يمكنك كتابة المشهد بطريقتين: - إما أن تعرض ما يحدث من خلال الأفعال والأوصاف والحوار - أو أن تحكي من خلال تلخيص المشهد. من الواضح أن ”العرض“ أهم وأكثر تأثيرًا من ”الحكي“، لكن رغم ذلك، فإن كلاهما ضروري أحيانًا لفهم القصة وإيقاعها بشكل صحيح. دعني أشرح لك! *العرض بدلاً من السرد عندما تكتب قصة، أتصور أنك تريد قبل كل شيء أن تجعلها قابلة للتصديق قدر الإمكان. وأنت محق تماماً! هكذا سيشعر القراء بالمشاعر التي تريد أن تنقلها. للقيام بذلك، تحتاج إلى ”العرض“ وليس ”الإخبار“. -* قل : ليلى غاضبة. أظهر: كان جسد ليلى يرتجف من الانفعال. ضمت قبضتيها بينما كانت موجة من الحرارة تجتاحها. ثم لم تستطع التحمل أكثر من ذلك، وأطلقت صرخة طويلة، وأمسكت بالطاول...

التعريف الوظيفي لقسم الإنتاج

كتير بنلاقي اختلافات في مجال صناعة السينما بالمنطقة العربية في تحديد الأسماء والتعريف الوظيفي لقسم الإنتاج. وده راجع لأسباب كتيرة، أهمها إن جزء من الشغلانة مرتبط بإسمها اللي وصلّنا بالإنجليزي. علشان كده قررنا نشاركم أقرب تصور عملي للمسميات الوظيفية, وده كان من خلال خبرتنا وبحثنا:    المنتج التنفيذي (Executive Producer): هو ممثل شركة الإنتاج أو صاحبها، وبيكون المشرف العام على الفيلم. المنتج (Producer): هو المسؤول عن الفيلم بشكل كامل، سواء تم تعيينه من شركة الإنتاج أو كان منتج مستقل. دوره بيشمل الإشراف على كل مراحل الفيلم، بداية من التطوير، والبحث عن تمويل (في حالة المنتج المستقل)، لحد مرحلة ما بعد الإنتاج والتوزيع. مساعد إنتاج (Assistant Producer): بيقوم بمساعدة المنتج في تفاصيل تحضير العمل السينمائي في كل مراحله. المنتج الفني (Line Producer): هو الوسيط بين مدير الإنتاج والمنتج، ومهمته متابعة الشغل اليومي وتنفيذ الفيلم، مع التركيز على التفاصيل اللوجيستية. مدير الإنتاج (Production Manager): هو المسؤول الأساسي عن تنفيذ الفيلم، وبيبدأ بشغل على الميزانية مع المنتج والمنتج الفني، ل...

أفضل أسلوب لكتابة السيناريو

 أفضل أسلوب لكتابة السيناريو هو الأسلوب البصري. ففي النهاية  الأفلام تدور حول الحركة والصور. فكّر في الشعر..  كيف يمكن لقصيدة أن تنشئ عالماً كاملاً من المعاني من لحظات بسيطة - طفل يراقب ذبابة - أو رجل عجوز راقد على كرسي هزاز - أو قطرة مطر تنزلق من النافذة؟ * وما هي السيناريوهات ؟ - إن لم تكن سلسلة من هذه اللحظات ذات المعنى؟ ثم هناك استخدام اللغة. -فعندما تقرأ سطرًا من قصيدة لكاتب مثل هوارد نيميروف (”الخيال“): ”الناس في المصعد، جميعهم، من الأمام، يقفون بلا حراك، ينظرون إلى أعلى، مستغرقين في التفكير.“ تبدو هذه السطور الأدبية وكأنها وصف لمشهد سينمائي. -فهي تصف المشهد وبنفس القدر من الأهمية، تنقل إحساس اللحظة ونبرة الصوت، لتجعلها أكثر حيوية وكثافة في مخيلة القارئ. كتّاب السيناريو ليسوا ملزمين بكتابة جمل كاملة. - لكننا أحرار في انشاء صور قوية. على سبيل المثال، عندما يصف - والتر هيل (هارد تايمز) يصف قتال شوارع: ”يلقي رجل سبيد ركلة. ومن أجل متاعبه، يتم سحبه للخلف. مصارعة شد الشعر. رجال أقوياء لكن بلا رشاقة.“ هذه أمثلة على ما أسميه الكتابة المصورة. استخدام الكلمات لانشاء صور بصري...